أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط على هنا.
كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا اذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
ملاحظة : أعتذر عن كل هذا التأخر عن الكتابة و التفاعل لظروف متعلقة بتغيير مسكني و أرجو من العلي القدير أن يوفقنا لنجعل من هذا المنتدى واحة للإنتاج الفكري الحر الجاد و نحافظ على مستواه المعرفي و الإنساني و نربأ بالمشاركين جميعا أن يشاركونا هذا الهدف، وبدءا أنشر بحوث المنهج التي نشرتها من قبل في منتدى الفكر الحر "رحمه الله" بتعديلات و إضافات جديدة و أرجو من الإخوةالذين قرأوه هناك أن يتفاعلوا معه هنا و كأن لم يطلعوا عليه من قبل.
فكرت بجد قبل المضي في هذا البحث، فليس أمر رسم منهج قراءة القرآن سهلا، ومع أنّني تمرست في معالجة بعض المواضيع فيه بمنهج ألفته، لكن خط هذا المنهج لغيري أمر غاية الصعوبة، إذ هدفي من نشر هذا البحث أو غيره هو جعله أداة في يد القارئ تدخله معي في عوالم البلاغ المبين، هذه الخطوة في نشر مبحث المنهج مع خطورة عواقبها ضروريا إن أردنا فتح القرآن أمام الإنسانية بعد أن أغلقه الكهنوت و سيج عليه خيوطه ودفنه دفنا ليسهل عليه إستعباد الناس بطغيان أفكاره البالية. وقد يحمل هذا البحث نقاطا قد تثير القارئ و أنبهه أنّ الأفكار التي لا توقف الرجل من مقعده و لا تقض مضجعه لا تصلح عندي أن تسمى أفكارا و لا تستحق لا النشر و لا التعليق إلاّ من باب الذكرى، و إذا صدمت بعض أفكار هذه البحوث القارئ فلينتقد و ليكتب و يرد فلم نفتح هذا المنتدى إلاّ للتفاعل فيما بيننا بعيدا عن أي سلطة فكرية أو كهنوتية تزعم الحديث بإسم الله أو تمثيله في واقعنا اليومي، و ما نرجوه أن تنير بحوث الإخوة المنشورة و ما تثيره من تفاعل جدي دروب قراءتنا جميعا. و أبدأ مستعينا بالله :
يوجه القرآن دارسه إلى تنزيل منهاج قراءة على قلبه تنزيلا ذاتيا فرديا لتفادي ضياع الرؤية و التناقض و للتفاعل معه تفاعلا صحيحا، و بدون تنزيل هذا
المنهج
(Loading)
سيبقى فهم آياته محالا و سينزع الإنسان حينذاك إلى اتهام آيات القرآن بالتناقض و الخطأ و البطلان.
و ستبقى محاولة استنطاق آيات القرآن تخرصا دون إعتماد منهج قراءة واضح و ثابث يسمح بالمعرفة أولاّ و بالتوقف الحذر عند ما يظهر أنّه تناقض لأول وهلة ثانيا وهذا ما نقرأه في البلاغ التالي :
المائدة:101/103
سيجد قارئ تفاسير الأسلاف تبريرات لا حصر لها لما يظهر أنّه تناقض في هذه الآية، إذ كيف يُعقل أن يمنع عالم الغيب و الشهادة أحدا من الناس أن يسأله إلاّ أن يريد الإنفلات من الأسئلة؟
ولقد روى الأسلاف أخبارا لا حصر لها في هوية و إسم الذي سأل و عن ماذا سأل و لماذا مُنع من السؤال وأغفلوا كالعادة نص الآية و نسوها و غرقوا في مروياتهم.
فلنعد إلى الآية لنوضح ما قلناه سابقا. الآية تطالب بطرح السؤال حين تنزيل القرآن، و ليس بعد تنزيله، و إذ تؤكد الآية مغفرة الله و حلمه فهي بهذا تدفع إلى السؤال بعد أن حذرت منه في بدايتها.
و يظهر إذن أنّ الآية تحمل اختلافا و تناقضا بيّنا في أجزاءها، فما المشكلة؟
أساس المشكلة تبدأ من فهم دليل لفظ "حين يُنزّل" الذي جعله الأسلاف مرادفا ل "بعد أن يُنزّل" و لم ينتبهوا أن نزول آية النهي عن السؤال يعني أن السؤال قد طُرح. فالآيات لا تتحدث عن أسئلة شخصية طرحها معينون بل تتحدث عن أسئلة تخص القرآن ذاته بدليل تصحيحها الفوري :
"ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام▲ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب، و أكثرهم لا يعقلون" المائدة 103
فالآيات تتحدث عن جواب يسوء من يسأل عنه إذ هو لم ينزِّل القرآن بعد على ذاته و هو قد يتهم القرآن بعد هذا بالنقص أو العجز أو الدجل، فتنزيل القرآن على الذات "حين ينزل" بمنهج قراءته الصحيح هو الدرع الواقي من السيئة و السوءة فلفظ "التنزيل" ليس محصورا في تنزيل النص القرآني على قلب النبي الكريم محمد و إنّما التنزيل
loading
هو لكل إنسان يريد أن يتفاعل مع الكتاب فعليه تنزيل القرآن في ذاته.
و من الناس من يملك منهجا خاطئا يوصله في قراءته للقرآن إلى أخطاء تعود إلى خطأ المنهج نفسه و هذا لا ضير فيه إذ يمكن تصحيحه بإكتشاف الخطأ بما أودع الله في الكون من عفو و حلم يسمح بتصحيح أخطاءنا
و هذا ما تعنيه الآية 101.
أمّا الأخطر فهو غياب المنهج وحينها يصبح الهدى الذي يحمله القرآن سببا في الكفر، أي سببا في الإمتناع عن سماعه بتغطية كل سبل التفاعل معه التي تصوره الآية 102 فالمنهج الخاطئ يكشف سوءة صاحب من يتبناه أمّا غياب المنهج فهو دافع قوي إلى الكفر و صد أبواب الحوار و التفاعل الإيجابي مع الغير.
و سياق الآيات يوضح أنّ بعض الناس يتهم القرآن أنّه يؤسس لشعائر وثنية و يجعل الناس مرتبطين بأشياء فلكلورية لا معنى لها من بحيرة و سائبةو وصيلةو حام التي جعلوها مرادفة لمفاهيم الشهر الحرام و الكعبة والهدي و القلائد التي جاءت في نفس سياق الآيات (آية 97 من ) و التي تحمل دلالات فيزيائية بدأنا معرفة بعض أسرارها في نهايات هذا القرن فيما يسمى ب :
String theory
فالشهر الحرام (الكوارك) بإجتماعه يكون قلائد وفق هدي محدد يصل به إلى تناظر سداسي المعبر عنه في عالمنا بشكل الكعبة المعروف، هذه الحقائق الكونية المبثوثة في القرآن هي التي تجعلنا نعلم أنّ الله يعلم :
"جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس و الشهر الحرام و الهدي و القلائد؛ ذلك لتعلمواأنّ الله يعلم ما في السموات و ما في الأرض و أنّ الله بكل شيء عليم"
المائدة : 97
و نحن نتصور النبي و هو يتلو هذه الآية لمن ظنّ أنّ الدين طقوسا و فلكلور و بدأ يقنن للبحيرة و الوصيلة و الحام و المباح فعله و المكروه قربه و نبه القرآن أنّ شكل الكعبة و بعض الطقوس التي تحيطها رمز لعلم كوني سيعرفه الناس لاحقا لتبقى الإنسانية مرتبطة بالسماء مهما كان سقفها المعرفي و لتعلم أنّ العلم و المعرفة الكونية هي مراد القرآن و ليست الطقوس و الفلكلور. فالسؤال الذي طرح في الآية جوهري و هو : كيف نعلم أنّ الله يعلم، وجوابه: إقرأوا الكون و عودوا للقرآن لتروا التناظر و هذه الجدلية هي الوحيدة التي تجعلنا نطمئن في سيرنا الكوني المحاط بالرحمة من كل جانب.
إنّ صياغة منهج قراءة النص القرآني أمان من الوقوع في التناقضات و محاولة تبريرها بتبريرات غير معقولة توقع الإنسان في مصيدة الإنغلاق النفسي عن مناقشة الآخر و الإنزواء أخيرا في مستنقع الكفر و يسمي القرآن غياب منهج القراءة و التخبط في التعامل معه خوضا:
"و كذبّ به قومك و هو الحق؛ قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبأ مستقر و سوف تعلمون (67) و إذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا فأعرض عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيره؛ و إمّا ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) و ما على الذين يتقون من حسابهم من شيء و لكن ذكرى لعلهم يتقون (69)"
الأنعام
فأنباء القرآن هي الحق الكوني الذي سيستقر نبأها شيئا فشيئا مواكبة طور الإنسان العلمي و المعرفي و الذين يخوضون دون تحضير و دون إطالة النظر في الكون و دون وقايات عديدة لفهم حقائق القرآن لا مجال للقعود معهم فهم في مرحلة طحلبية متأخرة جدا يجب تنبيههم إن سمعوا بإرتداء الوقايات حتى لا ينزلقوا في الإتهام الباطل أمّا من أسس لنفسه منهجا و أخطأ فهذا "ما من حسابهم من شيء"، عليه فقط أن يحنف عن قراءته الخاطئة و منهجه الخاطئ.
و يشير القرآن إلى محاولات تشويه حقائقه بتشويه مفاهيمه ممن يريد الإمتناع عن حوار الغير و كشف ما عنده لغرض سلطوي أو مادي أو عقائدي
"و قال الّذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرءان وألغوا فيه لعلّكمـ تغلبون" فصلت :26
و مع هؤلاء ننتظر أن يتطهروا من كفرهم فيدخلوا في الحوار و التفاعل، فلا مجال للحديث عن المنهج مع رجل يريد الحفاظ على مكتساباته المادية أو السلطوية و الهيمنة على الناس.
المنهج المؤَسس ليس خوضا و لا لغوا بل قواعد ثابثة يلتزم المرء بنتائجها مهما ظهرت هذه النتائج غريبة عن الفكر السائد و معادية له،و يعود المرء لتحديث منهجه إن ظهر تناقضه، عكس اللغو الذي في دليله التشردم والضياع.
لا شك أنّ تأسيس المنهج ينبغي أن لا يُبنى على أسس نفسية بل لا بد أن ينبع من ضرورات عقلية منطقية.و تأسيس المنهج ليس هدفه فقط تقديم قراءة جديدة تنسف تراكم تناقضات الأسلاف في قراءة البلاغ المبين و تعيد صياغة قراءة تتناسب مع واقع الطور الإنساني الجديد فحسب ولكنّها تريد منهجا معرفيا مفتوحا يسمح بضبط خارطة التعامل مع ألفاظ القرآن أولاّ و فتح مفاهيمه بدل تعميتها بموروث حديثي و تفسيري لتجنيبه التناقضات و الغاية من تأسيس المنهج هو فسح المجال ليتكلم القرآن لا أن نتكلم في مكانه و سيرى القارئ كيف غُيّب الكهنوت بتحالفه مع السلطات المتعاقبة النص القرآني داخل منظومة روايات متهافتة تهافت من يحملها زعموا أنّها من الرسالة بل زعموا أنّها هي الرسالة و لمن يصدق الكهنوت و تخريفاته أقول :
"مثل الذين حمِّلوا التوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا؛ بئس مثل القومـ الذين كذّبوا بآيات الله؛ و الله لا يهدي القوم الظالمين"
الجمعة : 5
و أظن أنّ الناس لم يتمعنوا جيدا في هذه الآية، فلنقف عندها قليلا. يهود قوم النبي موسى يفتخرون بالتوراة وهم يتلونها و لكنّم لم يحملوها لوحدها بل حملوا معها أسفارا أخرى من ميشنا و تلمود و هاجانا زعموا أنّ التوراة لا حق فيها دون هذه الأسفار، فمثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا، فهل تنفع الحمار أسفارا ولو هدت ظهره من ثقلها !!!!!!
بدل أن يحملوا التوراة و يتفاعلوا مع الكون ليطمئنوا، حملوا أسفار البشر وأثقلوا بها أنفسهم، فهل ينتظر هؤلاء إلا البأس و البؤس. ونفس الملاحظة تنطبق اليوم على قوم النبي الكريم محمد، أليس من حقنا أن نقول لهم :
(مثل الذين حملوا القرآن ثم لم يحملوه كمثل الحمار يحمل أسفارا)
أليس من حقنا عليهم أن ننبههم أنّه مهما بلغ علم الإنسان فهو محصور في التاريخ يتجاوز كلامه الناس و يرتقون عليه و هذا هو التاريخ يشهد أنّ نيوتن تعداه آينشتاين و باستور تعداه كريك وليبنيتز تعداه بلانك، أليس من حقنا إذا نحن طلبناهم بتجاوز النظريات العلمية التي أجهد الناس فيها أنفسهم بالبينات و العمل الطويل أن نطالبهم بترك أسفار ابن عباس و ابن عمر من قبلهم وترك أسفار ابن هشام و البخاري والكافي و الطبري و الروايات المشبوهة عن النبي الكريم التي تزعم أنّ كلامه البشري هو عين كلام الله و أنّ النبي ترك الرسالة فلم يبلغها و تركها لأحمد بن حنبل كي يجمعها في مسنده و للبخاري كي يجمعها في صحيحه، و نسى البخاري أنّ الصحيح عكسه السقيم و كان أحرى به أن يسمس كتابه صواب البخاري. أليس من واجب الناس أن ينتبهوا أنّ الله شرفهم بالتوراة و الإنجيل و القرآن و طالبهم بالبحث الكوني فقط و هم يستمرون في تصديق أحاديث البشر المحصورة في التاريخ العاجزة عن بيان الحق و تبيينه، فبدل أن تتظافر جهودها في البحث العلمي يواصل الكهنوت حملته ليرغمها لتبقى مستعبدة في تخرصاته.
بهذه التوطئة ندخل في طريق تأسيس المنهج مع إعتباري أنّ مثل هذه الخطوة شديدة الخطورة إلاّ أنّني أود أن يعرف الناس منهج تعاملي مع البلاغ المبين قبل طرح بعض مواضيعي المتعلقة أساسا بمفاهيم القرآن في منتدانا الكريم.و ها أنا ذا أطرح المنهج لتُنتقد بنوده علّنا بالتفاعل بيننا نصل إلى تصحيحه و إثراءه. وأنبه أنّ هناك مجموعة من الألفاظ تمثل مفاتيح تأسيس هذا المنهج و سيأتي دليلها تباعا و هي :
الله
الملائكة
الروح
القرآن
الهدى
عربي
التشابه
المحكم
الآية
السورة
إذ تمثل هذه الألفاظ محطات أساسية في رسم المنهج، وقد يسأل القارئ محقا:
كيف تؤسس منهجا و أنت تنطلق من ألفاظ تزعم معرفة دليلها مسبقا و كان يجب أن يقودك المنهج إلى فهمها لا أن تنطلق منها؟
و أجيب أنّ أي بحث ينطلق من فرضيات يزعم أنّها مسلمات ثم يعود إليها في النهاية ليمحصها من جديد، و يسمي القرآن هذه العملية "القلم" :
"إقرأ باسم ربك الذي خلق (1)
خلق الإنسان من علق (2)
اقرأ وربك الأكرم (3)
الذي علّم بالقلم(4)
علّم الإنسان ما لم يعلم(5)"
العلق
القراءة و ليس التلاوة تبدأ بمتابعة الخلق و زيادة معرفتنا به "ربك الذي خلق" وصولا إلى خلق الإنسان و سر نفخ الروح فيه و انتقاله من بشر لم يكن شيئا مذكورا إلى إنسان خليفة. وفي قراءتنا نكتشف كرم الرب الذي كلما يئسنا فتح الأبواب أمامنا للمعرفة الأعمق، و من خصائص هذا التعليم الرباني خاصية القلم التي تهدم الماضي لتبني عليه أعمق و أوسع دون أن يكون في هدمها هذا سببا في توقف حياتها و سيرها، ولكن الإنسان يأبى القلم و يريد الحقيقة الكلية الآنية التي تعفيه من البحث و مشاقه ويزعم أنّه مستغني عن البحث حامل للحق كله و يريد التهود و البقاء في قراءات الأسلاف و ترديدها كي يصنع لنفسه عباءة من التقوى الهشة لا تلبث رياح البحث الجاد أن تعصف بها لتتركه مكشوف السوءة :
"كلاّ إنّ الإنسان ليطغى(6)أن رّءاه استغنى(7)" العلق
الحقيقة أنّ دراسة القرآن هي دراسة كائن حي، لا نستطيع دراسته إلاّ وهو ميت، أي بفصل أجزاءه إبتداءا للوصول إلى دراسته حيّا بعدذلك بتراكم معرفتنا به. فنحن أولاّ ننطلق من فرضيات و نثبتها أو ندحضدها بمنهج القلم
Elimination
وليس لدينا من وسيلة قراءة الكون أو النصوص إلاّ بالقلم.
يبدأ رسم قواعد هذا المنهج في إطار محورين كبيرين تتحرك فيهما هذه القواعد و هما :
1 ـ أنّ منهج قراءة القرآن ينبغي أن يصاغ من داخله. ذالك أنّ القرآن قد رسم هذا المنهج في نصه ، فمن غير المعقول أن نصيغ منهج قراءة من تلقاء أنفسنا و هو قد منحنا مفاتيح قراءته فيه، إذ كيف نحمل برنامجا آليا يحمل دليله معه
HELP
و نحاول تعلمه في نص من خارجه، رواية أو قول يزعم ملء فراغاته أو تتميم نقصه ولنقرأ :
القيامة: 15/19
و قبل أن نصل إلى دليل الآيات أعلاه علينا أن نحاول فهم دليل الفعل "قرأ" و "قرآن".
فعل "قرأ" يدل على إخراج ما هو مكنون في رحم و بيانه. فبفعل قرأ يخرج ما هو مكنون في كتاب الكون من رموز و يخرج قرء للناس لبيانها، وبفعل "قرأ" تخرج بيانات ثلاث من جوف المطلقة دما يبين أنّها غير حامل :
"و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" البقرة :228
أمّا فعل "تَلو" فهو يدل على تتبع الكلمات المتتالية سواءا كانت مسطورة في صحيفة أو متتابعة في صوت أو منظورة في الكون. فتلاوة الكلام (الكلام في القرآن ليس خطابا شفويا بل هو ما نطلق عليه
Information
فالكلام أيّا كانت هيئته لا تعني أنّ من يتلو يفهم و يعلم. لكن إذا أجهد نفسه في النظر و الإدراك قد يصل إلى استنباط ما يتلوه، وهو بهذا الجهد يكون قد "قرأ" و جعل الكلام المتلو قرءا. و ينبغي أن نشير هنا عابرين أن لا ترادف في ألفاظ القرآن كما سيتم توضيحه، فلكل لفظ مدى حركته و صلاته بحيث لا يتداخل مع غيره.
لفظ "قرأ" إذن متحرك يسعى لإدراك المعنى و إظهاره سواءا تعلق الأمر بكلام القرآن أم بكلمات الكتاب (الكون) ، ويحاول بيان هذا الإدراك وفق السقف المعرفي و طور إدراكه التاريخي أمّا البيان عن جميع التكوين و جميع أطوراه فهو قرء لكامل الحق وهذا ما تعبر عنه كلمة "قرآن"، و أشير هنا عابرا أنّ رسم النون يدل على الإحتواء، وكأنّ النون مجموعة من النقاط محصورة في وعاء لا تنفلت منه و يقذف بها نقطة نقطة من الداخل مع صعوبة خروجها من عمقه، ويزعم الناس ظلما أنّ رسم حروف القرآن قلدت نفس خط حروف قوم النبي، و لهؤلاء أقول خبروني بدليل أركيولوجي برسم خط النون عند قوم النبي الكريم محمد و عند من حولهم و عند من قبلهم و خبروني عن شكل باقي الحروف و أظهروا لي خطا بشريا موصولا قبل نزول القرآن أكن لكم من الشاكرين، ولنعد للموضوع ف "قرآن" تدل على احتواء كل الحق فيه و خروجه قرءا بعد قرء.
و يشهد القرآن لنفسه أنّه تنزيل للكتاب، أي أنّ الكون كلّه أُسقط في صحيفة تحويه في قروءه كلها. و عليه فبيان القرآن يأتي في وقت بعيد عن وقت نزوله.
القرآن نزل قروءا متتالية و يسميها البلاغ المبين أرتالا(ملفات)
Files
الفرقان: 32
قرءانه يعني إخراجه من أرتاله المفروقة إلى قلب النبي ثمّ إلى لسانه لينطق به ثمّ إلى يده ليخطه بها و ينسخ ما هو مثبث في فؤاده. فالمنزِّل هو الذي يجمع ما تفرق في أرتال و جمعه له هو الذي يجعله قرءانا نطقا و خطّا، فقرءانه من القوى الملائكية المنزلة (فإذا قرأناه) يتبعه إخراجه نسخة من فؤاد النبي الكريم (فاتبع قرءانه). أمّا بيان القرآن فيأتي بعد ذلك بزمن بعيد الذي ترسمه أداة "ثمّ".
فالنبي الكريم محمد لم يكن من الّذين يقرأون و لم يكن في قومه من يقرأ و إن كان فيهم من يتلو و يخط فهم "أميون" يتبعون أمة في دليلها منهج السابقين و الأسلاف التي تحمله كلمة أم، و إنّما حمل بشارة القرآن للإنسانية لتقرأه على مكث و تحذيرا و إنذار من اتخاذ هدا القرآن الذي أتى به مدعاة للسخرية و التجني :
الإسراء :105/106
و قد يظن القارئ أنّ المخاطب هنا شخص النبي الكريم و الأمر ليس كذلك، بل المخاطب هو الرسول "و ما أرسلناك" و القراءة موجهة للناس جميعا على اختلافهم بتنزيل قراءته عليهم درجة درجة المعبر عنه بلفظ "تنزيلا" المعبر عن الإستمرار و التتابع دون انقطاع. و يدل تتبع كلمة "مُكث" في القرآن على البقاء في دائرة و الإنتشار فيها.
و لو تأملنا الآيات بعده لرأينا من يصل إلى حالة الإيمان الدالة عن الأمن الذاتي بسبب القرآن، أي أنّ القرآن يصبح في يدهم مولّدا للمعرفة و ليس شاهدا عليها فقط :
الإسراء: 107/109
فالعلم الكوني هو وحده سبيل معرفة الحق القرآني، في جدلية تصاعدية بين القرآن و الكتاب ولنقرأ ثانية :
"و يقول الذين كفروا لست مرسلا !!!!!
قل كفى بالله شهيدا بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب"
الرعد :43
الذي يشهد للقرآن هي بينات الكون التي فطرها الله فيه عند خلقه و المعبر عنها بلفظ الله في القرآن، والذي يشهد للقرآن هو من عنده العلم الكوني، فالكتاب في القرآن إمّا الكون
UNIVERS
أو إسقاطه في صحيفة مقروءة من توراة و قرءان. فهي إذن صفا و مروة بين القرآن و الكتاب في ارتقاء تصاعدي إلى مطلع الفجر (الإنفجار) الجديد
THE NEXT BIG BANG
فالقرآن كما أوضحت آيات سورة القيامة يحمل بيانه فيه و لا سبيل إلى قراءته بقواعد من خارجه.
2 – أنّ هذا المنهج ينبغي أن يكون ثابثا بطبيعته عكس القراءة التي هي قابلة للتغيير و التبديل كما سنوضحه بعد قليل.
أن يكون المنهج ثابثا فهذا إبعاد للمنهج النفسي التبريري أو ما يسميه القرآن ب "الهوى". و من أخطار الهوى الكبيرة رفض نتائج المنهج المؤسس مع اعتبار المنهج نفسه صحيحا :
ص : 26
فتأسيس منهج يعني اتباعه حرفيا دون مواربة و قبول نتائجه مهما ظهرت معارضة للموروث أو مناقضة للمعهود عند الناس، وتغيير المنهج لا ينبع إلاّ من قناعة عميقة باحتواءه الخطأ لا غير. و لذلك فتأسيس المنهج ينبغي أن يخضع إلى تفكير عميق بين الضرورة المنطقية و ضرورة تأسيس قواعده من داخله و لا يجوز بحال عند تأسيسه إلاّ الإلتزام الحرفي به.
لا شك أنّ تأسيس المنهج ناتج عن قراءة مسبقة للنص القرآني و تأثر بما قاله الباحثين و الأسلاف و تفاعل مسبق مع طروحاته و محاولة توفيقها مع نتجات العصر العلمية و الإنسانية، خاصة و أنّ إغلاق القرآن منذ أمد بعيد أدى إلى تصورات و مفاهيم كاريثية علينا. و لذلك فالحذر قائم في أن لا ننزلق إلى منهج نفسي نغلق به القرآن بدل فتحه :
"أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها"
محمد :24
ثباث المنهج ضمان لصيانته من التعسف و الهوى، على أنّ ثباث المنهج لا يعني ثباث القراءة بل القراءة في حركة دائمة تخضع للتراكم المعرفي كلّما جدّ في عالم المعرفة الكونية جديد، هذا التراكم وهذه الحركة يسميها البلاغ المبين "التشابه" و من واجبنا أن نقف هنا لنعيد لهذا المفهوم دليله بعدما لغت فيه "اللغة" المعجمية و لنقرأ البلاغات التالية :
"قالوا ادع لنا ربّك يبيّن لّنا ما هي إنّ البقر تشابه علينا و إنّآ إن شآء الله لمهتدون"
البقرة : 70
الأنعام : 141
و نفهم من هذا أنّ التشابه يعني التماثل في التكوين الأصلي (نفس جينات البقر) و اختلاف في المظهر النهائي الخارجي (شكل البقر) وكذالك التشابه بين صنف النبات الواحد (الرمان أوالزيتون). فالتشابه ينشأ دائما من المحكم أي من أصل واحد، فتشابه نفس النوع من الموجودات راجع إلى أنّها تملك نفس المكونات الأولية
DNA
و اختلاف ترتيب عينات هذه المكونات
Sequences
هو الذي يُنشأ التشابه في عالم الظاهر.
فحروف القرآن هي محكماته و ألفاظه الناشئة عن حروفه هي متشابهاته التي تتجمع وفق آيات لتنشأ السور
Elements
التي بتجمعها ينشأ القرآن.
إنّنا هنا نرى التناسب القائم مع الكون بدءا بالكوركات واللبتونات و البريونات (الحروف) إلى الجزيئات الأولية (الآيات) مرورا إلى الذرات (السور) ثمّ إلى الكون كله (قرآن).
لا شك أنّ هذا التصوير تمثيلي، إذ الغوص في تفاصيله سيخرجنا عن غاية هذا البحث.
الحروف بمعناها العام (حروف و رموز و علامات) محكمة في القرآن، أي لا ينقص منها حرفا لإحداث التناسب بين القرآن و الكتاب (الكون)، و السور محكمة إذ لا تنقص في الكون سورة لإحداث التفاعلات الكيميائية وصولا إلى العالم الحي وكذالك القرآن.
و قد ظنّ الأسلاف أنّ المتشابه هو الغامض الذي لا يجوز البحث فيه و لا الخوض في تفاصيله مع أنّ القرآن ينبه أنّه متشابه كله :
الزمر : 23
الكون متشابه أي الكائنات في بنيتها الجزيئية متماثلة و لكن تغيير الترتيب و التكوين هو الذي ينشأ هذا التعدد و التشابه. هذا الكون (الكتاب) المتشابه جُعِل قرآنا في صحيفة، ينفر منها من يحتمي من ظهور المعرفة الجديدة (يخشون ربهم)، إذ الرب في القرآن يدل على الزيادة و التعاظم (ربا؛ربوة) و بطول البحث و المعرفة التي تعبر عنه أداة (ثمّ) يلين الجلد ليعبر عن قبوله للحقائق الجديدة بعد استيعابه لها مصدقا بذلك القرآن الذي صاغه من يعلم السر في السماوات و الأرض.
إنّ المرور إلى المتشابه يسبقه معرفة ماهية المحكم، و لمّا كانت محكمات القرآن هي حروفه تحتم معرفة دلالتها أولاّ، فكل حرف في القرآن له دلالته و مفاهيمه التي بها يرتبط بغيره ارتباطا سننيا و ليس عبثيا، فكل حرف فيه لا يرتبط مع كل الحروف الأخرى بل في نظام يقابله نظام ارتباط الكوركات و اللبتونات ببعضها. و الإنسانية التي لا تريد تأسيس منهج معرفة المحكم معرفة علمية تزيغ في تعاملها مع الكتاب بشقيه الكوني و الرسالي و يسمى القرآن هذا الإنحراف "مرضا للقلب" يؤدي بها إلى قلب مفاهيمه ووصفه بالتاقض و لنقرأ:
آل عمران :7
و الحقيقة أنّ لفظ "أُخر" لا يعني التقابل بين محكمات و متشابهات بل يعني وجودهما معا، وسمّى القرآن الآيات المحكمات "أم الكتاب" ليزيل كل لبس و يؤكد أنّ المتشابهات تنشأ من هذه المحكمات و تتولد عنها، و لقد وردت بعض هذه المحكمات في فواتح بعض السور و سمّاها القرآن آيات على ما يأتي تفصيله عند الحديث عن البنية القرآنية.
فالبحث عن المحكم أساس قبل الوصول إلى فهم المتشابه الذي يليه في التركيب و التعقيد والراسخون في العلم (الفيزياء و البيولوجيا) يدركون بعض حقائق الكتاب (الكون) و يدركون أنّه يخضع لقانون واحد صيغ في بوتقة واحدة، وهم بقناعتهم بهذا البعض لا يشككون و لا يرجفون بل يقولون "كل من عند ربنّا" فلفظ "كل" يدل على الإعتراف الذاتي بجهلهم الواسع بالحقائق الكلية و إعترافهم بأنّ القليل الذي عرفوه كاف بجعلهم مطمئنين. وينبغي أن نقف لحظة لنعرف دلالة لفظ "تأويله".
و ما دمنا نجهل بنية المحكمات في القرآن فإنّنا نلجأ في بحثنا هذا و بحوثنا الأخرى إلى المشتركات اللفظية من داخل القرآن نفسه لمعرفة دلالات كل لفظ، على أنّ طريقة المشتركات اللفظية لا أساس منطقي لها فهي تزعم أنّ السياق هو من يضبط الدليل و المعنى و مع تعدد السياقات يمكننا ضبط معنى اللفظ !!!!
و في هذا الكلام هوى واضح، إذ كيف يضبط اللفظ الذي ورد مرة واحدة في القرآن؟
اللفظ في القرآن تضبطه محكماته أي حروفه التي تكونه، و حروفه التي تكونه تضبط مفهومه، ف "شجر" هو مفهوم متعلق بكل شيء تفرع من أصل . ف:
ش ج ر حروف عربية أي عارية عن قوى الفعل (الحركات و الرموز و الحروف الصامتة) وتجمع هذه الحروف بهذا الترتيب هو من يعطي ل "شجر" هذا المفهوم، أمّ الموجودات المتعلقة بهذا المفهوم فالسياق هو من يضبطها ولنقرأ بعض البلاغات لنوضح المراد:
"و شجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن و صبغ للآكلين"
المؤمنون :20
هنا الشجرة هي شجرة نبات
"قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد و ملك لا يبلى"
طه :120
فالشجرة هنا هي سلالة بشرية همجية
"أفرأيتمـ النار التي تورون (71) ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون (72)"
فالشحرة هنا متعلقة بشجرة النار و امتدادها من مركزها
FRACTALS
هذا البحث سوف نعود إليه في قواعد المنهج بتفصيل و لكن أنبه هنا لخطورة منهج المشترك اللفظي الذي جُعل جسرا لتحكيم شعر الشعراء ونثر الناس من قوم النبي على الحق القرآني، و تعاملنا بالمشترك اللفظي في بعض بحوثنا ليس نابع من تصديقنا له بقدر ما هو دال على جهلنا بالبنية اللفظية القرآنية الراجعة إلى توقف تفاعلنا الكوني و انعدام جهدنا في إيجاد الرابط الكوني ـ القرآني. وما دامت الإنسانية تأبى النظر في الكتابين فهي مستمرة في عبوديتها للكهنوت الطاغوت، و إذ نحاول تحفيز الهمم إلى البحث في الرابط الكوني ـ القرآني فأملنا كبير أن نخطو فيه خطوات في منتدانا هذا.
جهلنا بالبنية اللفظية ليس معناه توقفنا عن تدبر البلاغ المبين لحين معرفتنا بها فهذا غير ممكن و لكن لمّا كان لسان القرآن جيني أي جذري في بنيته كما يوضحه الشكل أسفله فهذا يسمح لنا برؤية أولية للفظ بتجميع مشتقاته، فللفظ في القرآن عربي عار عن قوى الفعل تدخل عليه هذه القوى لتحدث فيه التغييرات و تجعله مبينا ويكفي ملاحظة هذا الشكل المبسط و التمعن فيه :
و لنعد إلى آيات آل عمران المتعلقة بالمحكم و المتشابه لنحاول معرفة دليل لفظ "التأويل" فسنعود إلى مبحث الجذر و الجين اللفظي بتفصيل في الحديث عن قواعد المنهج.
أوّل مشتقات لفظ "تأويل" هو أول، و التأويل إذن هو محاولة معرفة المعنى الأول الذي جاء في التنزيل حين نزوله و هو أمر محمود و مطلوب، فكيف أصبح التأويل مذموما إذ نُسب إلى "الذين في قلوبهم مرض".
و الحقيقة واضحة إذ أنّ من في قلبه مرض يظن الوصول إلى حقائق القرآن من قراءته التاريخية و هو لم يع أنّ هذا محال وأنّ هذه التأويل لن يتحقق إلاّ بدراسة السنن الكونية (و ما يعلم تأويله إلاّ الله) و لم يع إستحالة الإحاطة بالكون و تجاوز حائط بلانك و ريب هايزنبرغ (كل من عند ربّنا)، فآيات آل عمران تؤكد للناس جميعا أنّ قراءتهم تاريخية و قد يستقر عندهم بعض أنباء القرآن، ويستحيل أن يستقر عندهم القرآن كله.
لا شك أنّ قراءتنا للبلاغ المبين تاريخية و فهمنا لحقائقه وضبط محكمه خاضع لمستوى معارفنا الكونية التي لن تصل إلى فهم سر الكون لإستحالة تجاوز حائط بلانك و لإستحالة معرفة غيب الجزيئات الأولية المصاغة في قوانين الريب (هايزنبرغ) و لنقرأ البلاغات التالية :
الأعراف : 52/53
الأنعام : 66/67
إنّ أنباء القرآن يستقر فهمها و دليلها حتما و لا يملك الإنسان إلاّ التفاعل المرحلي معها.
النساء :105
و بعد هذه التوطئة نبدأ الآن في رسم قواعد هذا المنهج في نقاط محددة :
1 ـ القرآن كلام الله الحي القيوم رسما و لفظا
2 ـ للقرآن بنية داخلية
3 ـ ألفاظ القرآن حق
4 ـ ألفاظ القرآن مفاهيم
5 ـ السورة وحدة موضوعية