أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط على هنا.
كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا اذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }{أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة 183-185) سياق النص ودلالة فعل ( كُتب عليكم الصيام...) يدل على وجوب الصيام، ودلالة كلمة (معدودات) لايشترط أن تكون جمع قلة، وكلمة (معدودة) جمع كثرة كما قال أهل النحو، اقرأ قوله تعالى:{وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ }يوسف20، ووفق سياق النص (ثمن بخس) ينبغي أن تكون دلالة كلمة (معدودة) لا تدل على الكثرة، ولاشك أنه يوجد فرق في الدلالة بين كلمة (معدودة) وكلمة (معدودات)، وهذا مثل الفرق بين جمع (شاهدون) التي مفردها شاهد، وجمع (شهداء) التي مفردها شهيد، وجمع (النبيون) التي مفردها نبي، وجمع (أنبياء) التي مفردها نبيء.
والصيام واجب على المؤمنين، والأيام المعدودات هي قبل تحديد الصيام في شهر رمضان، وعندما تم تحديد الصيام في شهر رمضان انحصر الوجوب فيه، واستمرت أحكام الصيام إلى الصيام في رمضان، وأتى الأمر بصيغة فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وهذا أمر عام للجميع دون استثناء، لذا؛ اقتضى إعادة قوله تعالى: (وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) حتى يستمر العذر والرخصة.
وبالتالي لا يوجد نسخ لحكم الصيام، ولا يوجد تعارض بين النصين، وكل ما في الأمر أن الصيام كُتب على المؤمنين في نص، وتحدد في آخر.
ونأتي الآن للجملة التي هي محل خلاف {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} ويوجد ثلاثة تفاسير تمَّ اعتمادها في التراث، وكلّ تفسير اعتمده مجموعة من العلماء، مع وصف التفسير الآخر بالمرجوح.
لنرّ ما مدى صواب هذه التفاسير من خلال مناقشتها ودراستها بشكل أصولي ومنهجي: التفسير الأول:
قال العلماء: إن كلمة (يُطِيقُونَهُ) بمعنى يستطيعونه، وبالتالي؛ فالنص يتكلّم عن الذين يقدرون على الصيام، ولكنْ؛ لا يريدون الصيام؛ فرخَّص الله لهم الإفطار، بشرط أن يقوموا بالفدية عن هذا الإفطار، وهي إطعام مسكين عن كلّ يوم يتمّ إفطاره حدّاً أدنى، وعندما وصلوا إلى النصّ الذي يلي هذا النص؛ وهو { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُالشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } (البقرة 185).
ظنوا أنه يوجد تناقض بين النصَّيْن؛ وكعادتهم عندما لا يستطيعون فَهْم النصّ، أو التوفيق بينه وبين نصّ آخر، يفزعون إلى عملية نَسْخ أحدهما بمُرجّحات عقلية، حسب ما وصلت إليه دراستهم القاصرة، وهذا ما فعلوه تماماً في مسألتنا تلك{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} وبالتالي؛ بطل حُكْمها تعالوا؛ لنناقش هذا الرأي بهدوء وموضوعية، من خلال تحليل وتفكيك النصّ المعني بالدراسة، ومقارنته برأيهم، فكرة تلو الأخرى: أول فكرة في النصّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } (البقرة 183). تُقرِّر - بشكل واضح - وجوب الصيام مطلقاً، دون تحديد بشهر مُعيَّن على المؤمنين، وبالتالي؛ يبطل قولهم:إن النصّ{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.... } هو في تشريع الصيام كحُكْم، وإنما هو نصّ في تحديد وتوقيت زمن الصيام، فالنصّ الأول {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } تكليف، وأمر، والنصّ الثاني{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.... فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } تحديد وتوقيت زمن الصيام، وبناء على ذلك؛ يبطل قولهم بالنَّسْخ، ناهيك عن أنَّ ادّعاءهم للنَّسْخ من أساسه باطل، حسب أصول النَّسْخ، التي تمَّ اعتمادها من قِبَل العلماء الذين يقولون بوجود النَّسْخ في النصّ القرآني، وهي أن النَّسْخ لا يكون إلا لآية كاملة؛ فلا يصحّ نَسْخ كلمة، أو جزء من آية؛ لقوله تعالى:{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة106 ، وذلك على افتراض وجود النَّسْخ. الفكرة الثانية: النصّ أوجبَ الصيام على المؤمنين، ورخَّص بالإفطار لذوي العذر والحاجة؛ فذكر منهم المريض، والمسافر، وطالبهم بالصيام، بعد زوال العذر والحاجة، وبعد ذلك ذَكَرَ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، وحسب سياق النصّ، ابتداء من وجوب الصيام وذكر العذر والحاجة للإفطار يجب أن تكون دلالة (يُطِيقُونَهُ) هي عذر وحاجة تدفع الإنسان إلى الإفطار، وهذا لا يستقيم مع التفسير بأن(يُطِيقُونَهُ) بمعنى يقدرون، أو يستطيعون عليه؛ لأنه تناقض مع إيجاب الصيام، ابتداء على المؤمنين، فكيف يُوجب اللهُ الصيامَ، ثم يرخّص في تركه للقادر عليه؟! فمن المعلوم أن التكليف مُوجَّه للعاقل القادر، والرُّخصة في الشرع دائما للمعذور، وليس للقادر المستطيع.
إذنْ؛ لا يصحُّ التشريع بالأمر والوجوب ابتداء، وإنهاء ذلك الأمر بالتخيير في الفعل، فهذا تناقض صريح في فَهْم النصّ، ممَّا يؤكّد بطلان تفسيرهم لكلمة (يُطِيقُونَهُ) بمعنى يقدرون، أو يستطيعون. التفسير الثاني:
قال بعض العلماء: إن كلمة (يُطِيقُونَهُ) بمعنى يستطيعون ويقدرون على الصيام، والنصّ أوجب الصيام على المستطيع ابتداء، ورخَّص للمريض أو المسافر الإفطار، ممَّا يؤكّد أن كلمة (يُطِيقُونَهُ) ليست حُكْماً منفرداً عن المسافر، أو المريض، بل هي راجعة لهما بمعنى أن المريض أو المسافر الذي يستطيع الصيام، ولكنه لا يريد ذلك؛ فلا مانع له من الإفطار، وعليه أن يقوم بالفدية عن إفطاره، بإطعام مسكين عن كلّ يوم حدَّاً أدنى.
وهذا الرأي - في الحقيقة - هو جزء من الرأي الأول؛ إذْ وافقه في تفسير كلمة (يُطِيقُونَهُ) بمعنى يقدرون، أو يستطيعون، ولكنه رفض فكرة النسخ، وبرفضه للنَّسْخ، اضطُرَّ لإرجاع كلمة(يُطِيقُونَهُ) للمريض والمسافر؛ لأن الأصل في الحُكْم أن المستطيع على الصيام واجب عليه الصوم ابتداءً في صدر النصّ (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ )، فلا مناص للهروب من المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه، وهو تفسير كلمة (يُطِيقُونَهُ) بمعنى يقدرون، أو يستطيعون، إلا بإرجاعها للمريض، أو المسافر، حتى يستقيم تأويل النصّ قدر الاستطاعة، هكذا ظنّوا، وعند التأمّل في هذا التأويل نجده تأويلاً تلفيقياً غير متما سك منطقياً، مع دلالة النصّ، ونَظْمه بشكل كُلّي، وإليكَ البيان: أولاً: يجب الإقرار أن الصيام واجب على المستطيع، وقد تمَّ تكليفه بذلك ابتداءً في صدر النصّ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ }. ثانياً: قد رخَّص الشارعُ الإفطارَ للمريض، أو المسافر، وعندما يذكر الشارعُ شيئاً ولا يحدّده بصورة، يعني ذلك نسبية هذا المفهوم وتحرُّكه صورياً، حسب العرْف الاجتماعي الزمكاني، بمعنى أن المرض والسفر مفهومان خاضعان لعامل الزمان والمكان، فما يعده المجتمع مرضاً، أو سفراً، يكون هو المقصود بالحُكْم في هذا الزمكان بالنسبة للرخصة، وما ينفي عنه المرض والسفر لا يكون رخصة، فليس خروج الإنسان من بيته لمكان عمله سفراً، وقد تبلغ المسافة بضع عشرات الكيلو مترات؛ أيْ أضعاف ما كان يُعدُّ في مجتمع النُّبُوَّة سفراً، وكذلك المرض يخضع لعامل المعرفة والمقدرة، فالطبيب هو الذي يحدّد إن كان هذا المرض يبيح الإفطار أم لا؛ فالإنسان المصاب بقَدَمه بجرح، أو التهاب، وما شابه ذلك، لا يُعدُّ مرضاً يترتَّب عليه إباحة الإفطار له. إذاً؛ المريض أو المسافر لهما حكمان: الأول: وجوب الإفطار إذا علما أن الصيام سوف يُهلكهما، من منطلق حفظ الصحة، التي هي مقصد شرعي. الثاني: الرخصة في الإفطار، وهي تعني التخيير ما بين الإفطار أو الصوم، مع الميل والندب نحو الإفطار؛ لأن الإنسان ما ينبغي أن يُصبح عالة على الآخرين أثناء قيامه بعبادته، فالعبادة التي تجعلك عالة، يسقط حُكْم وجوبها مباشرة؛ لتحقيق المقصد الشرعي، وهو فاعلية الإنسان في الحياة الدنيا، وقيامه بمنصب الخلافة.
فإذا أرجعنا كلمة (يُطِيقُونَهُ) للمسافر، أو المريض، و فسّرناها بقدرة كلَيْهما على الصيام، مع إرادة الإفطار من قبلهما وقعنا في مغالطة كبيرة، وهي: أولاً: كيف يُرخّص للمسافر أو المريض الذي لا يستطيع الصيام بالإفطار، ويؤمر بالقضاء بعد زوال العلَّة، بينما الذي يستطيع الصيام منهما، وأحبّ أن يُفطر يؤمَر - فقط - بالفدية دون القضاء؟ ثانياً: إن تفسير (يُطِيقُونَهُ) بمعنى يستطيعونه هو أمر موجود ضمناً في الحُكْم الأول، فمن المعلوم أن الإنسان عندما يُرخّص له في ترك واجب عليه يتضمّن هذا الحُكْم إباحة فعل الواجب ضمناً، كونه الأصل، وصراحة في تركه إذا أراد، فله حقّ التصرّف بين الفعل والترك؛ فالذهاب بتأويل (يُطِيقُونَهُ) إلى المسافر أو المريض هو عبث وتكرار لا مبرّر لهما.
ثالثاً: إن تأويل كلمة(يُطِيقُونَهُ) بمعنى يستطيعون خطأ لساناً، وسوف نُبيِّن ذلك لاحقاً.
رابعاً: إذا افترضنا أن كلمة (يُطِيقُونَهُ) تدلُّ على الاستطاعة كما يقولون لوجب أن يعود الحُكْم إلى أصله، وهو وجوب الصيام على المستطيع، وما ينبغي أن يكون حُكْمه الفدية؛ لأن ذلك عبث ومُناف للحكمة من التشريع؛ إذْ يصبح الأمرُ على الشكل التالي:
(يجب عليكم - أيها الناس - أن تصوموا، فإنْ لم تريدوا الصيام، فادفعوا فدية)، فهذا الكلام فيه مغالطة، وهي وجود التخيير، بعد أمر الوجوب، ممَّا يعني تناقض هذا النصّ، وعدم إحكامه، ولو كان المقصود التخيير وجب أن يأتي بصيغة الأمر بالصيام، أو الفدية، معطوفَيْن على بعض مباشرة. الرأي الثالث:
رأي منسوب إلى مجتمع الصحابة، وعلى رأسهم عبد الله بن عباس؛ إذْ قال إن المقصود بجملة {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} هو الشيخ الكبير، والمرأة المرضعة، أو الحامل وما شابه ذلك، وعندما قام العلماء بدراسة هذا الرأي لمعرفة كيف وصل إليه ابن عباس، انطلقوا ابتداء من أن كلمة (يُطِيقُونَهُ) تعني يستطيعون، وبالتالي؛ يجب تقدير كلمة (لا) قبل فعل (يُطِيقُونَهُ) ضرورة، حتى يستقيم المعنى الذي وصل إليه ابن عباس، وتصير الآية بمعنى (لا يُطِيقُونَهُ))، وبذلك العمل ظنّوا أنهم أضفوا على تفسير ابن عباس التماسك المنطقي لدلالة النصّ، ولاسيما أنهم وجدوا بعض الآثار التي تُفسّر الآية باستخدام كلمة (لا يُطِيقُونَهُ) لدلالة كلمة (يُطِيقُونَهُ) ، واستمرّ هذا الخطأ إلى زماننا المعاصر، ويكفي دليلاً على خطأ هذا التقدير هو التحريف في التأويل من فعل مُثبت إلى فعل منفي، وهذا عمل غوغائي، وقبيح!.
الملاحظ في التفاسير الثلاثة أنها مشتركة ومتّفقة على أن دلالة كلمة (يُطِيقُونَهُ) هي يستطيعون، وبعد ذلك ذهب كلّ واحد بمنحى، وعدَّ رأيه صواباً، ورأي الآخر خطأً.
لنرَ - الآن - تأويل النصّ بما يوافق الأصول، وينسجم مع المعقول، ويضفي على النصّ صفة المصداقية والصلاحية، وينفي عنه صفة الحشو، والعبث.
إن كلمة (يُطِيقُونَهُ) بضم الياء من الفعل الماضي الرباعي (أطاق)، الذي هو - بدوره - من كلمة (طوق)، وهذه الكلمة تدلّ أحرفها الثلاثة على:
(ط) تدلّ على دفع وسط.
(و) تدلّ على ضم ممتدّ.
(ق) تدلّ على قَطْع شديد.
فإذا جمعنا هذه الأحرف الثلاثة، مع بعضها بترتيب (طوق) دلّت على قوة كامنة مجتمعة منتهية عند حدّ معيّن، ومن هذا الوجه سمّى العلماء ما يحيط بالشيء حبساً ومنعاً لما بداخله (طوق) كونه قوة اجتمعت على نفسها من خلال التقاء طرفَيْها، وأفادت حبس ومنع ما جعل الطوق عليه.
وقال تعالى:{ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }آل عمران180
وسُمِّيت القوة الكامنة في الإنسان (الطاقة)، ومن هذا الوجه جاء قوله تعالى:{ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ }البقرة286، أيْ ما يحصل من أحداث تقع مسئوليّتها علينا؛ اجعَلْها ابتداءً - يا ربّ - ضمن مستوى الطاقة التي نملكها كَبَشر، وقد يقول قائل: إن هذا تحصيل حاصل؛ لأن الله عالم، وعادل، وحكيم، وبالتالي؛ فهو لا يحمل الإنسان فوق استطاعته، فنقول له: هناك فرق بين (الطاقة) و(الاستطاعة)، فالطاقة - كما ذكرتُ آنفاً - هي القوة الكامنة في الإنسان، التي يستخدمها، ويستهلكها، في الاستطاعة على الشيء ؛ لأن الاستطاعة هي المقدرة على فعل الشيء، سواء أَكان ذلك ضمن طاقة الإنسان، أم استهلك طاقته، وبذل جهداً فوق طاقته لحصول الشيء ؛ فهو - في النهاية - استطاع فعل المطلوب منه، ومن هذا الوجه جاء قوله تعالى:{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ...}الأنفال60 ، فالمطلوب هو بذل الجهد؛ ولو أدّى إلى تجاوز الطاقة؛ فاصبروا لتحقيق المطلوب، وهو {.. تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ...}
فإذا عُرض على الإنسان القيام بعمل مهمّ ومصيري، ما ينبغي النظر إليه من منطلق (الطاقة) فقط؛ لأن (الطاقة) قد لا تكفي، أو تنفد، وإنما النظر إليه من (الاستطاعة)، فبهذه النظرة يستطيع أن يقوم بالعمل مستخدماً الطاقة القصوى، ويمدّها بطاقة أخرى، وهي الحرص، والصبر، والحزم، والإصرار على تنفيذ العمل على أرض الواقع، ولا شك أن هذا العمل مُتعب، ومُضنٍ، لذلك جاء الدعاء { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ }البقرة286؛ أيْ ما نتعرَّض له من أحداث تقع ضمن مسئوليّتنا اجعلْهَا ضمن طاقتنا، وبالتالي؛ نستطيع فعْلَها بيُسر وسهولة، ومثال على الطاقة والاستطاعة هو قيام الإنسان بالصيام دون طعام أو شراب لمدّة ثلاثة أيام متتالية؛ فهذا الصيام هو ضمن طاقة الإنسان، ويستطيع فعله، أمَّا إذا تجاوز هذه الأيام الثلاثة يكون الأمر خرج عن طاقته، ولكنه يصمد، ويستطيع فعْلَه بشقِّ الأنفس، وهكذا ينجح ويفوز كلّ أبطال العالم في مختلف أنواع الرياضة، فالفرق بينهم هو مَنْ يستطيع أن يصمد هذه اللحظات بعد انتهاء الطاقة منه، فيفوز، ويصبح بطلاً، فهو استطاع على فعل ذلك، ولكنْ؛ بشقِّ الأنفس، مستهلكاً كامل طاقته الكامنة، ودعمها بإصراره وصبره على الفوز.
وبعد معرفة الفرق بين (الطاقة) و(الاستطاعة) يتبيَّن لنا خطأُ رأي المفسّرين عندما قالوا: إن (يُطِيقُونَهُ) بمعنى يستطيعون.
فماذا تدلّ كلمة (يُطِيقُونَهُ) في النصّ المذكور بعد معرفة دلالتها لساناً؟
لمعرفة دلالة كلمة (يُطِيقُونَهُ) لابدّ من التفريق بين:
1- الفعل الماضي الرباعي (أطاق)، الذي يكون مضارعه (يُطيقون) بضمّ الياء.
2- والفعل الماضي الثلاثي (طاق)، الذي يكون مضارعه (يَطيقون) بفتح الياء.
نقول: طاق القومُ الحربَ، ونقول: أطاق القومُ الحربَ؛ فما الفرق بين الدلالتَيْن:
نجد أن فعل (طاق) يدلّ على أن الأمر المَعني كان ضمن إمكانية القوة في القوم، ولم يبذلوا أيَّ جهد فوق طاقتهم، بخلاف فعل (أطاق)، فإنه يدلّ على قيام القوم ببذل جهد فوق طاقتهم الكامنة؛ ليصبروا على الحرب.
والنصّ المَعني في الدراسة استخدم فعل المضارع(يُطِيقُونَهُ) بضمّ الياء، وهو من الفعل الماضي الرباعي (أطاق)، المبدوء بهمزة التعدّي، ممَّا يدلُّ على أن المقصود هو الناس الذين يكون الصيام بالنسبة إليهم فوق طاقتهم الكامنة، وهم بحاجة لبذل الجهد والصبر، حتى يستطيعوا الصيام، فهؤلاء رخَّص الله - عزَّ وجلَّ - لهم الإفطار، وذلك من تمام رحمته، و حكمته، وإرادته، اليُسر للناس، ومن هذا الوجه، كان تفسير ابن عباس- رضي الله عنه- أن المقصود هو الشيخ الكبير، والمرأة المرضعة، والحامل، وما شابه ذلك من ذوي الأعمال الشاقّة، صواب موافق لسياق النصّ، ونظمه دلالة، ولو جاء فعل المضارع في النصّ (يَطيقون) بفَتْح الياء، الذي أصله الماضي الثلاثي (طاق) لكان تفسير العلماء السابق أيضاً خطأ؛ لأن فعل (يَطيق) دلالته تختلف عن دلالة فعل (يستطيع)، فَمَنْ يَطيق الأمر قطعاً هو يستطيع عليه، بخلاف مَنْ يستطيع على الأمر؛ فلا يشترط له أن يطيقه فيمكن أن ينجح في القيام بالعمل، دون امتلاك الطاقة الكافية، وذلك بإصراره، وصبره، وحزمه.
وهو خطأ أيضاً، من خلال نَظْم النصّ ؛ لأن النصَّ - ابتداءً - أمر بالصيام، والأمر بالفعل - دائماً - مرتبط بالاستطاعة، فإذا كان الإنسان يطيق شيئاً، فهو يستطيعه قطعاً؛ فإذا جاء النصّ بفعل(يَطيقونه) بفَتْح الياء يصير على الشكل التالي{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} ؛ بمعنى وعلى الذين يملكون القوة الكافية للصيام، وبالتالي؛ يستطيعون الصيام دون حرج، أو جهد زائد، ولا يريدون أن يصوموا؛ فلا مانع من ذلك، وعليهم فدية طعام مسكين عن كلّ يوم يفطرونه، وإذا أخذ النصّ هذا المعنى تناقض مع أوَّله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) ، فكيف يجتمع الأمر بالقيام بعمل ما، وبالوقت نفسه، ينتهي النصّ بالتخيير بين فعله وتركه للمُكلّف نفسه، مع انتفاء الأعذار عنه؟! وما قدَّره العلماء من وجود حرف (لا) قبل فعل(يُطِيقُونَهُ) في النصّ خطأ فاحش، وتقوُّل على الله ما لم يقلْ، بل هو تحريف في النصّ عن طريق التأويل، ولو كان غير مقصود منهم، ولكنه عمل شنيع، ما ينبغي الوقوع به.
ولو افترضنا أن في النصّ حذف لحرف (لا) لوجب أن يأتي الفعل (يُطِيقُونَهُ) مفتوح الياء؛ حتى يقترب من معنى الاستطاعة، الذي قالوا به، ومع ذلك؛ لو جاء فعل (يُطِيقُونَهُ) مفتوح الياء لاستغنى عن حرف (لا) حسب تفسيرهم، وإذا بقي فعل (يُطِيقُونَهُ) كما هو، ومضموم الياء، وقدَّرنا وجود حرف (لا) قبله لتناقض مع تفسيرهم؛ إذْ يصير: وعلى الذين لا يُصابون بالضيق، والحرج، والتعب، فدية طعام مسكين، وما ذكرتُهُ يؤكّد خطأ تفسير كلمة (الطاقة) بالاستطاعة، ويؤكّد أن فعل (أطاق) ومنه (يُطِيقُونَهُ) دلالته غير فعل (طاق)، ومنه (يَطيقون) بفتح الياء.
أمَّا دلالة (وسع) من قوله تعالى: â{لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا }البقرة286 ،فهي كلمة تدلّ على ضمّ الشيء، واجتماعه، وحصره، أو وضعه في مكان معيّن. ومن هذا الوجه يكون تكليف الله - عزّ وجلّ - للإنسان بالأعمال، إنما هو حسب سَعَة نفسه؛ وذلك يبدأ من فعل (طاق) إلى فعل (أطاق)، فكلاهما داخلان في وسع الإنسان، وفعله.